محمد الحميدي
55
جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس
أمرك ، فأذن لنا نكفك أمرهم ، فأبى ، ثم أخبرهما بذلك ، فنفيا أولئك القوم ، وأخرجا إدريس بن يحيى عن أنفسهما إلى الأندلس ، وتمسّكا بولده لصغره ، إلّا أنهما في كلّ ذلك يخطبان لإدريس بالخلافة . ثم إنّ محمد بن إدريس أنكر من أخيه ، الملقّب [ 16 ب ] بالساميّ أمرا ، فنفاه إلى العدوة ، فصار في جبال غمارة ، وهي بلاد تنقاد لهؤلاء الحسنيّين ، وأهلها يعظّمونهم جدّا . ثم إنّ البرابر خاطبوا محمد بن القاسم بالجزيرة ، واجتمعوا إليه ، ووعدوه بالنّصر ، فاستفزّه الطّمع ، وخرج إليهم ، فبايعوه بالخلافة ، وتسمّى بالمهديّ ، فصار الأمر في غاية الأخلوقة « 1 » والفضيحة ! أربعة كلّهم يسمّى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا في مثلها ، فأقاموا معه أياما ، ثم افترقوا عنه إلى بلادهم ، ورجع خاسئا إلى الجزيرة ، ومات إلى أيام ، وقيل : إنه مات غمّا . وترك نحو ثمانية ذكور . فتولّى أمر الجزيرة ابنه القاسم بن محمد بن القاسم ، إلا أنه لم يتسمّ بالخلافة ، وبقي محمد بن إدريس بمالقة إلى أن مات سنة خمس وأربعين وأربع مائة . وكان إدريس بن يحيى ، المعروف بالعالي ، عند بني يفرن بتاكرنّى « 2 » ، فلمّا توفّي محمد بن إدريس ردّته العامة إلى مالقة واستولى عليها . هذا آخر ما استفدنا أكثره من شيخنا أبي محمد عليّ بن أحمد ، رحمه اللّه ، وعلمناه نحن ، من جمل أخبار من ذكرنا من ملوك تلك البلاد ، إلى وقت خروجنا منها .
--> ( 1 ) الأخلوقة : الأكذوبة ( معجم دوزي 4 / 189 ) . ( 2 ) Takurunna كورة ومدينة تقع بالقرب من إستجة ومتأخمة لكورة ريّه وبالقرب من الجزيرة الخضراء ، وتتبعها رندة الحصينة ( السمعاني في « التاكرني » من الأنساب ، وياقوت في معجم البلدان 2 / 6 ، وبلدان الأندلس 280 ) .